بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
فوجد الناس متفرقين في المسجد -يعني أوزاعًا متفرقين- كما جاء في الأثر: "الرجل يُصلي وحده، والرجل يُصلي وراءه الرهط (جماعة)، فقال لمن معه: لو جمعنا الناس على رجلٍ واحد! فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب" (١).
فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَظَابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصلِّي الرَّجُلُ؛ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ! "، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: "نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ"، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" (٢).
وأُبى بن كعب قد شَهِد له رسول اللَّه ﷺ بأنه أقرأُ الصحابة، فقال: "أقرؤكم أُبَيٌّ، وأقضاكم عَلِيٌّ، وأعلمُكم بالحلال والحرام معاذٌ، وأفرضُكم زيدٌ"، يعني زيد بن ثابت.
أراد بذلك حديث أَنَسٍ، أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَلكُلِّ أمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ" (٣).