بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
وَفِي هَذَا المقام يَجُوز استخدامها، وسُئِلَ الرَّاوي عن ذلك؛ أربعين ماذا؟ شكٌّ من الراوي، هل قال: أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنةً (١).
وَجَاء في حَدِيثٍ آخَرَ عند ابن ماجه وغيره: "مئة عامٍ" (٢).
فلو أخذنا بأقل مقدار وأقل زمن، ألا وهو أربعون يومًا؛ لكان ذلك من أشقِّ الأشياء عليه، أي: أن يقف الإنسان أربعين يومًا ينتظر هذا المصلي ليفرغ من صلاته أهون له وخيرٌ له من أن يمر بين يديه.
والحديث: "لو يَعْلَمُ المارُّ بينَ يدَي المصلِّي ماذا عليه"، أَيْ: مقدار ماذا عليه من الإثم، وقَدْ جاء التصريح به في بعض الأحاديث: "لَوْ يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم (٣) -ماذا سيلحقه من الإثم- لكان خيرًا له أن يقف مدةً طويلةً كانت خيرًا له من أن يمرَّ بين يدي المصلي".
إذًا، في هذا وعيدٌ شديدٌ، وفيه تحذيرٌ أكيدٌ من رسول اللَّه ﷺ للذين يَتسَاهلون فيَمرُّون بين أيدي المصلين، فيُحَاولون أن يقطعوا عليهم صلاتهم.
وقَدْ ورد أيضًا في أثرٍ عن أبي سعيد أنه كان يُصلي، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفعه، ثم أراد أن يمر فدفعه، فغضِب الشاب وأخذ يتكلم، فدخل على مروان يشكو أبا سعيد، فلما جاء أبو سعيد ذكر له مروان بن الحكم ذلك، فأورد أبو سعيد حديث رسول اللَّه ﷺ: "لو يَعلَمُ المارُّ بين يدَي المُصلِّي ماذا عليه -يعني من الإثم- لَكَان أن يَقِفَ أربعينَ خيرًا له من أن يمُرَّ بين يدَيه" (٤).