بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
الزمان من كان على خير ثم تغير؛ لأن الإنسان قد يعمل عمل الخير فيتأخر في آخر حياته، وقد يعمل أعمالًا لا تكاد الجبال تحملها من السيئات؛ لكن الله ﷾ يختم له الخاتمة الحسنة، وإنما الأعمال بالخواتيم (١)، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يعترض على قضاء الله وقدره، بل ينصح، ويوجه وينبه الناس؛ ولذلك يقول الله ﷾ في الحديث القدسي: "مَن ذا الذي يتعالى عليَّ في كبريائي" في قصة الذي قال: "لا يهدي الله ذلك الرجل" (٢)، "ورب أشعث أغبر لو تمنى على الله لأبره" (٣).
فليست الأمور إذن بالمظاهر في هذه الحياة بل بالتقوى والعمل الصالح؛ كما قال الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وعلى ما سبق لماذا يختلف المسلمون في قضية من القضايا، وخاصة القضايا التي تتعلق بأصل هذا الدين وجوهرها وهي العقيدة، فلِمَ لا تردُّ هذه المسائل إلى تلكم القرون المفضلة قرون أصحاب رسول الله ﷺ؟ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، ولذلك قال عبد الله بن مسعود في أثره الآخر: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ، فما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا؟ فهو عند الله سيئ" (٤)، فلماذا لا نرجع إلى ما نختلف فيه