بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
لكن الصحيح أنه لا ينبغي أن يقدم القياس على حديث صحيح، بل الحقيقة أن القياس الصحيح لا يعارض الحديث الصريح؛ لأن القياس إنما بني على أصل، وهذا الأصل ينبغي أن يوافق للفطرة، وتلكم الأحاديث إنما جاءت موافقة للفطرة.
* قوله: (مِثْلَ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِلَى مَالِكٍ بِاختِلَافٍ).
قيل: "إن الإمام أحمد سُئل عن ذلك في تردده أو في تعدد أقواله: لعلك تأخذ بما يأخذ به أبو حنيفة؟ " فأجاب: "لا" (١).
معلوم أن أبا حنيفة عاش في العراق، وفي العراق يوجد الزنادقة، ويوجد أهل البدع والضلالات، ومن أولئك من وضع حديث رسول الله ﷺ مكذوبًا، فإن أولئك الأقوام تجرؤوا على رسول الله ﷺ، مع أنه ﷺ قال: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، ولذلك كانوا يضعون أحاديث - أعني أهل الأهواء والزنادقة - تتفق مع أهوائهم ومذاهبهم، فإنهم يضعون أحاديث وينسبونها إلى رسول الله ﷺ، فكان أهل العراق يتشددون أكثر بخلاف أهل الحجاز، فلم يكن ذلك منتشرًا بينهم، ولذلك قلَّ الأخذ ببعض الأحاديث؛ تشددًا في تمحيص الأحاديث، ولكن الله ﷾ كما حفظ كتابه ﷿، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
كذلك نجد أن سنة رسول الله ﷺ قد حفظت أولًا في صدور أصحاب رسول الله ﷺ، ثم لما بدأ علم تدوين الأحاديث دونت ابتداءً كما اشتهر في