تفسير العثيمين: آل عمران
حقًّا هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي ﷺ لم يقصد بأن يتصدق عليه. بعض العلماء ﵏ قالوا: إن الرسول ﷺ أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا غلط. لكن الرسول ﵊ أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يتركه، فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: "أتراني ماكستك لآخذ جملك" أن الرسول ﷺ لم يرد الشراء من الأصل ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر ﵁.
قال تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ "أثابكم" الفاعل هو الله، ومعنى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: أعطاكم و ﴿غَمًّا﴾ هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم، والثواب هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمى ثوابًا، قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] لكن إذا قرن الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أفردت، ولها معنى إذا قُرنت بغيرها.
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾:
غمًّا: مفعول ثانٍ لأثابكم، بغمٍّ: الباء هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للمبادلة، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر، فأما الذين قالوا للمصاحبة، فقالوا: إن معناها أثابكم غمًا مصحوبًا بغم يعني مقترنًا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة، والذين قالوا إنها بمعنى "على"، يقولون: إن معناها