موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي
يتطرق إليه البسط بخلاف اليد فكل منهما أدنى من الآخر حفظا من وجه فضمن لمخالفته.
وقال صاحب المغنى: إن أمره بشدها في كمه فأمسكها في يده عند المغالبة لم يضمن وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن.
وقال القاضي أبو يعلى أيضا: اليد أحرز عند المغالبة والكم أحرز عند عدمها.
هذا إذا عيّن طريقة حفظها أما إذا أطلق فلم يأمره بوضعها في شيء بعينه فتركها المودَع في جيبه وكان مزرورا أو ضيق الفم أو أمسكها في يده أو شدها في كمه أو في عضده أو تركها في وسطه وشد عليها سراويله لم يضمن إن ضاعت، لأنه لا يعد مفرّطا (١) وإن جاءه بالوديعة في السوق مثلا فقال له: احفظها في بيتك فأمسكها في دكانه أو ثيابه ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه فتلفت ضمنها. ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيّه إلى منزله في العادة فتلفت لم يضمنها، لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئًا وهو في دكانه أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله فيستصحبه معه (٢).
وإن مات شخص وعنده وديعة معلومة بعينها فليس لورثته إمساكها لأن صاحبها لم يأتمنهم عليها وإنما حصل مال غيرهم في أيديهم ويجب عليهم تمكين صاحبها من أخذها إن كان عالما بموته فإن لم يعلم وجب عليهم إعلامه فإن أخروا الإعلام مع الإمكان ضمنوا (٣) وإن أمسك المودَع الوديعة وحبسها عن صاحبها بعد طلبه لها بدون ضرورة فتلفت ضمنها، لأنه صار غاصبا لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم فأشبه الغاصب.
أما إن طلبها في وقت لم يمكن دفعها إليه لبعدها أو لمخافة في طريقها أو للعجز عن حملها أو غير ذلك لم يكن متعديا في إمساكها وترك تسليمها، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وإن تلفت في خلال إمساكه هذا لم يضمنها لعدم عدوانه. وإن قال: امهلونى حتى أقضى صلاتى أو آكل فإنى جائع أو أنام فإنى ناعس أو ينهضم عنى الطعام فإنى ممتلئ أمهل بقدر ذلك (٤).
إمساك اللقطة والضالة:
إذا ردّ العامل - في الجعالة - اللقطة أو الحيوان الضائع ونحوه كالعبد الآبق لم يكن له إمساك المردود وحبسه عن الجاعل لاستيفاء الجعل، فإنْ حَبَسَه لاستيفاء ذلك وتلف ضمنه (٥) ويحرم التقاط وإمساك الضوال التي تمتنع من صغار السباع لكبر جثتها كإبل وخيل أو لطيرانها أو لسرعة عدوها كظباء، لقول الرسول ﷺ: "دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها".
وهذا النوع لا يملكه ملتقطه بتعريفه، لأنه متعد بأخذه كالغاصب لعدم إذن المالك والشارع وإن أنفق الملتقط على ما ذكر لم يرجع على ربه بما أنفق عليه، لتعديه بالتقاطه وإمساكه (٦).