هداية الراغب شرح عمدة الطالب - مع حاشية ابن عوض - ت التركي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهي من الله رحمةٌ، ومن الملائكة استغفار،
(وهي مِن اللهِ رحمةٌ) مقرونةٌ بِتعظيمٍ، أي: الصلاةُ مطلقًا، وأمَّا التي في خصوصِ هذا المقام، أعني الصادرةَ مِن المصنِّف، فهي بإحدى المعاني الثلاثة فقط؛ لأنَّها من آدميٍّ، واضح. فمعنى: صلِّ عليه، أي: ارحمْه رحمةً تَليقُ بمقامِه المنيفِ وجَنابِه الشريفِ؛ زيادةً في شَرَفِه، إذ الكاملُ يَقبَلُ الكمالَ، فاندفع ما يُقال: إنَّه ﷺ أُفرِغت عليه سائرُ الكمالات، فلا يَفتقرُ إلى رحمةٍ، فالجملةُ إنشائيَّةٌ معنًى، خبريَّةٌ لفظًا؛ لأنَّ القصْد بها إيجادُ الصلاةِ.
وأُورد على هذا التعبيرِ بأنَّ الرحمةَ فِعْلُها متعدٍّ، والصلاةَ فِعْلُها قاصرٌ، ولا يَحسُن تفسيرُ القاصرِ بالمتعدِّي؟.
وأُجيب: بأنَّه لا قُبح في تفسيرِ: مررتُ، بـ: جاوزتُ، مع أنَّ الأوَّلَ قاصرٌ، والثاني متعدٍّ.
وتُكرهُ الرحمةُ في حقِّه، وإن كانت بمعنى الصلاةِ، فلا يجوزُ إذا ذُكر النبيُّ ﷺ أنْ يُقال: ﵀؛ لأنَّ لفظَ الرحمةِ صار شِعارًا لغيرِ الأنبياءِ والملائكةِ ممَّن شَأْنُه أن يَرتكبَ الذنوبَ، فلا يُقالُ: لِمَ جازتِ الصلاةُ دون الرحمةِ، مع أنَّهما بمعنًى واحد (١)؟.
وقوله: (ومن الملائكة استغفار) (٢) أي: دعاءٌ بالمغفرةِ، وجمَع بين الصلاةِ والسلامِ؛ خروجًا مِن الخلاف في كراهةِ إفرادِ أحدِهما عن الآخَر، كالغزاليِّ (٣) والنوويِّ (٤)، وهو سائغٌ عند الإمامِ ابنِ حنبلٍ.