بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
الثاني: وأما القول بأن مالكًا قد احتج بعمل أهل المدينة فإن كلامه ليس صريحًا في هذا، وقد اشتد إنكار ابن عبد البر ﵀ على من زعم من المالكية أن مالكًا ترك العمل به؛ لكون عمل أهل المدينة على خلافه، وإنما لم يأخذ به مالك ﵀، لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة (١).
الثالث: لا يصحُّ دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؛ لأنَّ الاختلاف فيها بالمدينة معلوم (٢).
وأمَّا مسلك التأويل، فدليلهم فيه أن حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" قد عارضَه حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تبَايَعَا فَالقَوْلُ قَوْلُ البَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ" فسواء كان اختلافهما قبل التفرق أو بعده على ظاهر الحديث، والمراد: إنما يكون بعد تمام البيع، قالوا: وإنما أدخل مالك ﵀ هذا الحديث في "موطَّئه" عقيب حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"، على طريق التفسير له والبيان لمعناه (٣)، والجمع بين هذين الحديثين ممكن، بأن يُؤول حديث: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ" ولهم في تأويله وجهان:
الأول: قالوا أن لفظ: "المتبايعين" يُطلَق حقيقة على المتشاغلين