بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
(أَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ جُلُوسًا، وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ وَيُصَلُّونَ)، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ فِي الاضْطِجَاعِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا" (١)، وَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمَّا كانَ النَّوْمُ عِنْدَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ مِنْ حَيْثُ كَانَ غَالِبًا سَبَبًا لِلْحَدَثِ، رَاعَى فِيهِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الاسْتِثْقَالَ أَوِ الطُّولَ أَوِ الهَيْئَةَ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا خُرُوجُ الحَدَثِ غَالِبًا لَا الطُّولَ، وَلَا الاسْتِثْقَالَ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي الهَيْئَاتِ الَّتِي لَا يَكُونُ خُرُوجُ الحَدَثِ مِنْهَا غَالِبًا).
والقول الرابع من الأقوال في حكم النوم: أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه، أحس بنفسه، فإن وضوءه باقٍ، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه، فقد انتقض وضوؤه.
وَبِهَذَا القَول تَجْتمع الأدلَّة، فإنَّ حديثَ صفوان بن عسال دلَّ على أنَّ النومَ ناقضٌ، وحديث أنسٍ ﵁ دلَّ على أنه غير ناقضٍ، فيُحْمَل ما ورَد عن الصَّحابة على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس بنفسه، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه.
ويُؤيِّد هذا الجمع الحديث المروي: "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء"، فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه، فإن نومه ناقض، وإلا فلا.