بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
الوُضُوءِ مِنْهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ فَوْقٍ، وَكلَاهُمَا ذَاتٌ وَاحِدَةٌ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ المَخْرَجَيْنِ، فَكَانَ هَذَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الحُكْمَ لِلْمَخْرَجِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الرِّيحَيْنِ مُخْتَلِفَان فِي الصِّفَةِ وَالرَّائِحَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحْتَجُّ بِأَنَّ المَقْصُودَ بِذَلِكَ هُوَ الخَارِجُ النَّجِسُ؛ لِكَوْن النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرَةً فِي الطَّهَارَةِ، وَهَذِهِ الطَّهَارَةُ وَإِنْ كَانَتْ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً؛ فَإِنَّ فِيهَا شَبَهًا مِنَ الطَّهَارَةِ المَعْنَوِيَّةِ (أَعْنِي: طَهَارَةَ النَّجَسِ)، وَبِحَدِيثِ ثَوْبَانَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَتَوَضَّأَ" (١)).
وَهَذا حديثٌ لا يثبت عند أهل العلم بالحديث، وليسَ في معناه ما يوجب حكمًا؛ لأنه يحتمل أَنْ يكون وضوؤه هاهنا غسل فمه ومضمضته، وهو أصل لفظ الوضوء في اللغة، وهو مأخوذٌ من الوضاءة.
والنَّظَر يوجب أن الوضوءَ المجمع عليه لا يُنْتقض إلا بسُنَّة ثابتة لا مدفع فيها، أو إجماع ممن تجب الحجة بهم.
(وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ (٢) مِنْ إِيجَابِهِمَا الوُضُوءَ مِنَ الرُّعَافِ (٣)، وَبِمَا رُوِيَ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ المُسْتَحَاضَةَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ (٤)، فَكَانَ المَفْهُومُ مِنْ هَذَا كلّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الخَارِجَ النَّجِسَ).