بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
وامرؤ القيس في هذا البيت يُشَبِّهُ هذا الجَبلَ وَقْت انحدَار أوَّل السَّيل بالشَّيخ المُلْتَفِّ في بِجَادٍ، أيْ: في كِسَاءٍ (١).
وَالشَّاهد هاهنا قولُهُ: (مُزَمَّل)؛ حيث جاء مجرورًا، بينما القياس أن يأتي بالرفع (مُزَمَّلُ)، فهو صفة لقوله: (كبيرُ) الذي يستحق الرفع؛ لوقوعه في الجملة خبرًا لـ (كأنَّ).
وفي هذا البيت كذلك، والذي يقول فيه الشاعر:
وظل طهاة اللحم من بين منضجٍ … صفيفَ شواءٍ (٢) أو قديرٍ معجلِ (٣)
حيث جاءت (قديرٍ) مجرورةً، وكان القياس أن يقول: (صفيفَ شواءٍ أو قديرًا) بالنصب؛ لأن الطبخَ معطوفٌ على الشَّيِّ.
(وَأَمَّا الفَرِيقُ الثَّانِي وَهُمُ الَّذِينَ أَوْجَبُوا المَسْحَ، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا قِرَاءَةَ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى المَوْضِعِ كلمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا (٤)).
فالقياس في قول الشاعر أن يقول: (ولسنا بالجِبَالِ ولا الحديدِ)، ولكنه عَطَفَ على المحل، والمحل إنما هو منصوب.
وفي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، نجد المحل في قوله: (رؤوسكم) منصوبًا؛ فلو أن الباءَ محذوفة، لَكَانَ قوله: (رؤوسكم) معطوفًا على المنصوبات.