تفسير العثيمين: آل عمران
فما المراد بهذا الأمن؟ قال: (نعاسًا) والنعاس: مقدمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف لا يمكن أن يَنْعَس، لِأَنَّ قلبه مضطرب، لكن الآمن المطمئن ينعس، ولهذا قال: ﴿نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وفي قراءة: (تغشى طائفة منكم) فإذا كانت القراءة (تغشى) فالضمير يعود على أمنة. وإذا كانت القراءة (يغشى) فالضمير يعود على نعاسًا.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾:
أي يصيب طائفة، والغشيان في الأصل: التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، لكن قد يراد به مجرد الإصابة وقد يراد به مع الإصابة أنه شملهم جميعًا. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾:
يعني فلم يغشهم النعاس لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمتهم، وأوقعتهم في الهم؛ وهم من شدة قلقهم يقولون: لا ندري ما يكون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وطوى ذكر ترك عدم النعاس لأنه يعلم من حَار منهم فإنه لا يمكن أن ينعس إذا كانت قد أهمتهم أنفسهم.
يقول: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾:
جملة ﴿يَظُنُّونَ﴾ يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ والخبر الأول جملة (قد أهمتهم أنفسهم)، يعني: وطائفة أهمتهم أنفسهم وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن