موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي
الظهر فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإِمام ذلك بحق .. وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له ..
وإن امتنع الإِمام من ذلك بل من ضرب رقبته إن وجب عليه فإنه يكون فاسقا عاصيا لله تعالى بتعطيل حكمه ..
وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله ﷺ بالصبر على ذلك .. برهان ذلك قول الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وقد علمنا أن كلام رسول الله ﷺ لا يخالف كلام ربه تعالى. قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فصح أن كل ما قاله رسول الله ﷺ فهو وحى من عند الله ﷿ لا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض …
فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدرى كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمى بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام .. قال رسول الله ﷺ: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" فإذا لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين .. فالمسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب ظلما وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأى وجه أمكنه - معاون لظالمه على الإثم والعدوان .. وهذا حرام بنص القرآن ..
وأما سائر الأحاديث التي ذكرنا وقصة ابنى آدم فلا حجة في شئ منها .. أما قصة ابنى آدم فتلك شريعة أخرى غير شريعتنا .. قال الله ﷿: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .. " وأما الأحاديث فقد صح عن رسول الله ﷺ قوله: "ومن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإِيمان" ليس وراء ذلك من الإيمان شئ .. وصح عن رسول الله ﷺ قال: "لا طاعة في معصية .. إنما الطاعة في الطاعة .. وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية .. فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وأنه ﵊ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد .. والمقتول دون دينه شهيد والمقتول دون مظلمة شهيد .. " وقال ﵊: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده" فكان ظاهر هذه الأخبار معارضا لظاهر الأخبار الأخرى .. فصح أن إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى ولا يمكن غير ذلك .. فوجب النظر في أيهما هو الناسخ فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهى عن القتال موافقة لمعهود الأصل ..
ولما كانت عليه الحال في أول الإِسلام بلا شك .. وكانت هذه الأحاديث الأخرى التي فيها الأمر بالقتال واردة بشريعة زائدة وهى القتال .. وهذا ما لا شك فيه .. فقد صح نسخ معنى تلك الأحاديث ورفع حكمها حين نطق ﷺ بهذه الأحاديث الأخرى بلا شك.
فمن المحال المحرم أن يؤخذ بالمنسوخ ويترك الناسخ وأن يؤخذ الشك ويترك اليقين .. ومن ادعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة - فقد ادعى الباطل وقفا ما ليس له به علم فقال على الله ما لم يعلم .. وهذا لا يحل.
ولو كان هذا لما أخلا الله ﷿ هذا الحكم عن دليل وبرهان يبين به رجوع المنسوخ ناسخا لقوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾