Skip to content

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي سنة ثلاثين وثمانمائة ذكر من مات فى سنة ثلاثين وثمانمائة من الأعيان

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Printed page ٣/ ٣٨٥

بها أَحمد هذا فنشأَ بمدينة برصا فكان يقال له "ابن عرب" على عادة الروم والترك في تسميتهم من لم يكن منهم؛ ونشأ أحمد هذا نشأَةً حسنةً، ثم قدم القاهرة ونزل في القاعة التي استجدّها أكملُ الدين صوفيًا، وقرأَ على خير الدين (١) سليمان بن عبد الله ونسخ بالأُجرة واشتغل، ثم انقطع عن الناس فلم يكن يجتمع بأَحدٍ واختار العزلة مع مواظبته على الجمعة والجماعة، واقتصر على ملبسٍ خشنٍ جدًّا، وكان يقنع بيسيرٍ من القوت ومهما اطّلع على أَن أَحدًا من الباعة عَرفه فحاباه لم يَعُد إليه، وكان يتنكَّر ويشترى قوتَ يومين أَو ثلاثة بعد العشاء، ويدخل الجامعَ أَوّل النهار يوم الجمعة، ولا يكلم أَحدًا في حال ذهابه ولا إيابه، فأَقام على هذه الطريقة أَكثر من ثلاثين سنة، ولم يكن في عصره من داناه في طريقته، وكان يدرى (٢) القراءات. مات ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأَول.

ومن عجائب أمره أنَّه لما مات كان الجمع في جنازته موفورًا، وأكثر الناس كانوا لا يعلمون بحاله ولا بسيرته، فلما تسامعوا (٣) بموته هرعوا إليه ونزل السلطان من القلعة فصلَّى عليه بالرُّمَيْلة وأعيد إلى الخانقاة فدُفِن بها، وتنافس الناس في شراء ثياب بدنه فاشتروها بأَغلى الأَثمان، فاتَّفق أنَّ جملة ما اجتمع من ثمنها حُسِب فكان قَدْر ما تناوله من المعلوم من أَوّل ما نزل بها إلى أَن مات لا يزيد ولا ينقص، فَعُدَّ ذلك من كراماته. ﵀.

٢ - أَحمد (٤) بن موسى بن نصير، شهاب الدين المتبولي المالكي، حدّث عن البياني وغيره وأَخذ عنه جماعة، ومات في يوم الأَربعاء ثاني شهر ربيع الأَول عن خمس وثمانين سنة.