Skip to content

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Printed page ٣/ ٢١٨

وبلغ كاتبَ السر عنه أنه يتوعده بالقتل وتأكد بغضه عنده فحقد عليه ودسّ على السلطان من أعلمه أنه يتمنى موته لكونه يعشق بعض حظاياه ولا يتمكن منها بسببه إلا خفية، ورتب له على ذلك إمارات وعلامات إلى أن أبغض السلطانُ ولده وأحبَّ الراحة منه، ثم رتّبوا له أنه صمّم على قتله بالسم أو غيره إن لم يمت عاجلا من المرض لما في نفسه من محبة الاستبداد، فأذن لبعض خواصه أن يعطيه ما يكون سببا لقتله من غير إسراع، فدسّوا عليه من سقاه من الماء الذي يُطْفَى به الحديد، فلما شربه أحسّ بالمغص في جوفه فعالجه الأطباء مدة، وندم السلطان على ما فرط منه فتقدم (١) إلى الأطباء أن يجتهدوا في علاجه فلازموه نصف شهر إلى أن أبَلَّ قليلا من مرضه، فركب في نصف الشهر إلى بيت عبد الباسط بشاطئ النيل ثم ركب إلى الخَرُّوبية بالجيزة فأَقام بها، وكاد أن يتعافى فدسوا إليه من سقاه ثانيًا بغير علم أَبيه فانتكس واستمر إلى آخر الشهر، فتحول إلى الحجازية ثم حُمل فى ثالث عشر جمادى الآخرة إلى القلعة فمات (٢) ليلة الجمعة خامس عشره، فاشتد جزع السلطان عليه إلَّا أنه تجلد، وأَسف الناس كافة على فقده وأكثروا الترحيم عليه، وشاع بينهم أن أباه سمَّه إلا أنهم لا يستطيعون التصريح بذلك؛ ولم يَعِشْ أبوه بعده سوى ستة أشهر تزيد أياما، كدأْب (٣) من قتل أَباه أو ابنه على الملك قبله: عادة مستقرة وطريقة مستقرأَة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وصار الذين حسّنوا له ذلك يبالغون في ذكر معائبه وينسبونه إلى الإسراف والتبذير والمجاهرة بالفسق من اللواط والزنا والخمر والتعرض لحرم أبيه وغير ذلك مما كان بريئا عن أكثره، بل يختلقون أكثر ذلك ليتسلى أبوه عن مصابه، ولقد حكى لى من شاهده في السفرة التى تجرد فيها إلى البلاد القرمانية معه ما يقضى منه العجب من ذلك (٤).