Skip to content

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي سنة تسع عشرة وثمانمائة ذكر من مات فى سنة تسع عشرة وثمانمائة من الأعيان

إنباء الغمر بأبناء العمر - ت حبشي

ابن حجر العسقلاني

Printed page ٣/ ١١٦

الصغير" لسعد الدين أَيضا وكتب عليه شيئا سمّاه "سُبك النضير في حواشي الشرح الصغير"، ونظر فى كل شئ حتى في الأشياء الصناعية كلِعْبِ الرمح ورمْي النشاب وضرْب السيف والنفط حتى الشعوذة حتى فى علم الحرف والرمل والنجوم، ومهر فى الزيج وفنون الطبّ، وكان من العلوم بحيث يُقْضى له في كل فن بالجمع؛ هذا مع الانجماع عن بني الدنيا وتَرْكِ التعرض للمناصب، وقد نفق له سوق فى الدولة المؤيدية وهاداه السلطان عدّة مرار بجملة من ومع ذلك كان يمتنع من الاجتماع به ويتغير إذا عُرِض عليه ذلك.

وحضر معنا المجلس المعقود للهروى في السنة الماضية فلم يتكلم في جميع النهار كله مع التفاتهم إليه واستدعائهم منه الكلام، حتى سأَله السلطان في ذلك المجلس عن تصنيفه في لعب الرمح فجحد أن يكون صنَّف فيه شيئًا، وكان يبرّ أصحابه ويساويهم في الجلوس ويبالغ في إكرامهم، وكان لا يتصوّن عن مواضع النُّزه والمتفرجات ويمشى بين العوامّ، ويقف على حلق المنافقين ونحوهم (١)؛ ولم يتزوّج فيها علمْتُ، بل كانت عنده زوجة أبيه فكانت تقوم بأَمر بيته ويبرّها ويحسن إليها، ولم يتَّفق له أن حجّ مع حِرْص أصحابه له على ذلك، وكان يُعاب بالتزيّي بزىّ العجم من طول الشَّارب وعدم السّواك حتى سقطت أسنانه، وبلغني أنه كان يديم الطهارة فلا يُحدِث إلَّا توضَّأ، ولا يترك أحدًا يستغيب عنده أحدًا، هذا مع ما هو فيه من محبة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة.

لازمْتُه من سنة تسعين إلى أن مات، وكان يودّني كثيرا ويشهد لي في غيبتيّ بالتقدّم ويتأَدّب معى إلى الغاية مع مبالغى في تعظيمه حتى كنتُ لا أُسمّيه في غيبته إلا "إمام الأئمة"، وقد أقْبلَ في الأخير على النظر في كتب الحديث، واستعار من ابن العديم "تخريج أحاديث الرافعي" الكبير لشيخنا ابن الملقن وهو في سبع مجلدات فمرّ عليه كله