والثاني: أنَّا ندرك الكبير صغيرًا في حال البعد، مثل الجمل نراه صغيرًا في حال البُعْد، ونعلمه كبيرًا، فامتنع أنْ يكون معنى الإدارك معنى العلم.
وكذلك الإرادة هي صِفَةُ ذاتٍ تَتَجَدَّدُ بتَجَدُّد المراد، ولا يجوز لبعض المعتزلة أنْ يقول: إنَّ الإرادة معناها معنى العلم (١)، لأنَّ الإنسان قد يعلم ما لا يُريده، ويُريد ما لا يعلمه، وإذا ثَبَتَ هذا فتقول: هو مَوصوف بالإدراك فيما لم يَزَلْ، ولا نقول هو مُدْرِكٌ فيما لم يَزَل، لأنه لو كان مُدْرِكًا فيما لم يزل اقتضى وجود مدرك فيما لم يزل، ولا يجوز ذلك لأنَّه يُفضي إلى قِدَم الأشياء.
وكذلك هو موصوف بالإرادة فيما لم يزل، ولا نقول هو مريد فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قدم المراد (٢).
ومثله نقول هو موصوف بالخلق والرزق فيما لم يزل، ولا نقول هو خالق ورازق فيما لم يزل، لأنه يفضي إلى قِدَم الأشياء وكذلك هو موصوف بالاستواء