ولا يجوز أنْ يقال: إنَّ الرحمةَ والغضبَ هو الإرادة، بل كل واحد منها صِفَة ليست الأخرى، فعلى هذا لم يَزَلْ راحمًا مُرِيدًا تَنعْيَمَ مَنْ عَلمِ تنعيمه، ولم يَزَلْ غَضْبَانًا (١) مُريدًا تعذيبَ مَن قد علم تعذيبه وعقوبته.
والوجه في ذلك: أنْ الإرادة تَتَناول ما ينافي الرحمة من المعاصي، وما لا ينافيها، وتتناول ما يُلائم الغَضب من المعاصي وما ينافيه من الطاعات، فبانَ بهذا أنهما صفَتان، كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، ولأنَّ نفي الغضب والرضا والمحبة والسخط يدل على النَّقص، كالمجنون لما انتفت هذه الأشياء في صفاته، دَلَّ على نقصه فوجب وصفه بها، كما وُصِفَ بالعلم والقُدرة.