تفسير القرآن العظيم - السخاوي
إذا أمرت بي فأعلمني. فقال: أمرت بك، وقد بقي من عمرك ساعة. فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي (٢٠١ /ب) متكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها، وكانت الشياطين تجتمع على محرابه أينما صلى، فلم يكن الشيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فإذا سليمان خرّ ميتا ففتحوا عليه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة (١) فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت في يوم وليلة مقدارا منها، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيّا، فأيقن الناس أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة.
وروي: أن داود ﵇ أسّس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇، فمات قبل أن يتمّه فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل الله أن يعمي عليهم موته؛ حتى يفرغوا، وليبطل دعواهم علم الغيب (٢).
وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه (٣).
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ إما حكاية لما قال لهم الأنبياء، وإما قيل بلسان الحال، أو هم أحقاء بأني قائل لهم ذلك، ولما قال: كلوا من رزق ربكم واشكروا له؛ ذكر سبب اقتضاء الشكر، وهو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ وعن ابن عباس ﵁: كانت من أخصب البلاد وأطيبها؛ لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية (٤).