تفسير القرآن العظيم - السخاوي
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: ما كان ينبغي أن تقسو بعد رؤية هذه الآية العظيمة، وهو كقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ [الجاثية: ٨] كله استبعاد لما جرى منهم بعد رؤية ما سبق.
قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ لسيت «أو» للشك؛ بل لأن قساوة القلوب مختلفة جدّا فبعضها يشبه الحجارة، وبعضها أشد قساوة من الحجارة. ثم بين فضل الحجارة على قلوبهم، فقال:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فإن للحجارة خشية، ولله - تعالى - علم في هذه الجمادات. لا نعلمه (٨ /أ) كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال ﵇: «إني لأعرف حجرا كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» (١).
وفي الحديث: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (٢).