تفسير القرآن العظيم - السخاوي
فنضرب عنكم الذكر؟ و ﴿صَفْحاً﴾ على وجهين؛ إما مصدر من: صفح عنه؛ إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم؟ وإما بمعنى الجانب كقولك: نظر إليه بصفح وجهه؛ بمعنى: أفننحيه جانبا؟ فينتصب على الظرف. ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ لأن كنتم. فإن قلت: كيف استقام قراءة من قرأ: "إن كنتم" على الشرط (١) وقد كانوا مسرفين حقا؟ قلت: هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن الحال؛ تقول: إن كنت قد عملت لك اليوم فأعطني حقي وهو عالم أنه قد عمل، ولكنه تحيل في كلامه أن هذا المطل يقتضي أنك شاك في أنني قد عملت لك.
﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ حكاية حال ماضية مستمرة، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ عن استهزاء قومه. الضمير في قوله: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ للمسرفين ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قد سبق ذكر المهلكين وتكذيبهم وعقوبتهم.
فإن قلت: قوله ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وما سرد (٢٤٩ /أ) من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم؛ فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ؟﴾ وإن كان من قول الله؛ فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله تعالى لا من قولهم، ومعنى قوله:
﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه، وليسندنه إليه
﴿بِقَدَرٍ﴾ بمقدار يسلم معه العباد والبلاد ولم يكن طوفانا. والأزواج: الأصناف.
قوله: ﴿تَرْكَبُونَ﴾ يقال ركبت الدابة وركبت عليها، وغلب هاهنا المتعدى بنفسه؛ لأنه أقوى، ومعنى ذكر نعمة الله ذكرها بالتعظيم والثناء على معطيها بالقلب ويقرن ذلك بالعمل شكرا لله.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾
روي "أن النبي ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فإذا استوى على