تفسير القرآن العظيم - السخاوي
الظن على القول الأول باليقين، ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادّعاه من العلم واليقين، وإنما قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ ولم يقل: اطبخ لي الآجرّ؛ لشدة اهتمامه ببناء الصّرح ومناداة هامان الوزير بالأمر بالطبخ، ودخول حرف النداء في وسط الكلام دليل التعظّم والتجبّر. وعن عمر رضى الله عنه: أنه حين سافر إلى الشام ورأى (١٧٢ /أ) القصور المتخذة بالآجرّ قال: "ما علمت أن أحدا بنى بالآجر غير فرعون" (١).والطلوع والإطلاع بمعنى الصعود.
والاستكبار بالحق إنما هو لله ﷿ فهو المتكبر على الحقيقة.
وعن رسول الله ﷺ فيما حكى عن ربه ﷿: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار" (٢).
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ (٤٠)﴾
﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالضم والفتح (٣). قوله: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ من الكلام الفخم الدالّ على العظمة؛ شبهّهم مع كثرتهم بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر، ومثله قوله - تعالى -: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ (٤). ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ (٥) وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وإن كل مقدور وإن عظم وجلّ فهو حقير بالنسبة إلى قدرته ﷾.
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾