أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين
فأبو شامة لا يعيب على الحنابلة مذهبهم، وإن كان يخالفهم فيه، إذ يميل إلى تأويل الصفات، وقد ألمع إلى ذلك في ترجمته لشيخه الموفق ابن قدامة، وهو من كبار شيوخ الحنابلة، فيقول فيه: «كان إماما من أئمة المسلمين، وعلما من أعلام الدين في العلم والعمل، صنف كتبا كثيرة حسانا في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات والكلام هو على الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح الأمر له فيها على جلالته في العلم، ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار» (١).
وهو ينعى على المتعصبين تعصبهم، وينأى بنفسه عنهم، فيقول في ترجمة الشيخ عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ ابن حمويه: «وكان من أعيان المتعصبين لمذهب الأشعري» (٢).
غير أنه لم يكن بهذا الرفق واللين مع من اشتغل بعلوم الأوائل من منطق وجدل، وأفضى به ذلك إلى قلة الدين، وكانت هذه العلوم قد ازدهرت في دمشق زمن المعظم عيسى بن العادل، وابنه الناصر داود، بيد أنها أخمدت في دولة الأشرف موسى بن العادل (٣)، فهو يبين حالهم في ترجمته لهم، صادعا بالقول، غير متلجلج فيه، ذاكرا في الوقت نفسه ما لهم من صفات حسنة، فيقول في ترجمة العز الإربلي: «كان يقرئ علوم الأوائل في بيته لمن يتردد إليه من أهل الملل