أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين
كان قرار الاعتزال ينمو مع الأيام في فكره، ويترسخ، حتى إذا عاوده المرض للمرة الخامسة في رمضان سنة (١) (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م) حسم أمره، وبدأ بترك المدرسة العادلية الكبرى (٢)، بعد أن قضى فيها نحو ثلاث وثلاثين سنة (٣)، واتخذ بيتا له في حارة الخاطب (٤)، وقد كتب، وهو مريض أبياتا يعلل فيها تركه لها، ومما قاله:
نزهت نفسي وعرضي … وصنت هذه البقية
لما انعزلت ببيتي … قولا وفعلا ونية
وبقيت علق بال … مدارس الشافعية
وسوف أخلص منها … حقا ورب البرية
إني عبد ضعيف … أخاف بغت المنية
ولست أرضى لنفسي … دوام هذي البليه (٥)
* * *
وذات ليلة، وبينما كان يتقلب مع آلامه وأحزانه، وقد قارب الثالثة والخمسين، وبيته خال من عبث طفل ومناغاته، بعد أن تخرم الموت أولاده، ولم يبق له إلا ابنته فاطمة من زواجه الأول، دعا الله ﷾ أن يرزقه ولدا ذكرا، ربما ليخفف ما في قلبه من حزن شفيف على فقد ابنه محمد (٦).