Skip to content

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام القسم الثاني من الكتاب في أنواع البينات الباب الرابع والأربعون في القضاء بشهادة غير العدول للضرورة

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Printed page ١/ ٤٨٥

الشَّهَادَةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ عُوِّلَ فِيهِ مَعْنًى لَيْسَ بِهُنَالِكَ فِي النَّظَرِ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ تُحْكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ النَّظَرَ يَقْتَضِي قَبُولَ مِثْلَ هَذَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الشَّاهِدُونَ السَّامِعُونَ يَعْرِفُونَ طُرُقَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ لَا مِنْ عَارِفٍ بِالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ عَارِفٍ بِهَا وَقَدْ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ، قَدِيمًا، وَكَشَفْنَا سِرَّ الْقَوْلِ فِيهِ وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ نَتِيجَتُهَا الْمَنْعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِمِثْلِ هَذَا، وَقَدْ وَقَفْنَا لِلطَّبَرِيِّ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.

فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ عَلَى التَّهْذِيبِ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذَا شَهِدَ قَوْمٌ غُرَبَاءُ لَا يُعْرَفُونَ لَمْ يُقْبَلُوا، قَالَ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَظَاهِرُهُ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْوَالِ أَوْ فِي الْجِرَاحِ.

وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إذَا قَدِمَتْ الرُّفْقَةُ فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الْإِجَارَاتِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، إذَا تُوُسِّمَتْ فِيهِمْ الْمُرُوءَةُ فِي الْعَقْلِ وَالْقَوْلِ. قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَقَوْلُهُ فِي الْإِجَارَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْجِرَاحِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْوَاضِحَةِ عَلَى الْمُحَارِبِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ بِالتَّوَسُّمِ، وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ جَائِزَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْجِرَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ، وَيَقْبَلُهُمْ الْحَاكِمُ بِالتَّوَسُّمِ إذَا لَمْ يَسْتَرِبْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَطْعَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ مَضْرُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْمَعُ فِيهِمْ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ تَجْرِيحٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ إنَّمَا جَازَتْ لِلضَّرُورَةِ يَعْنِي لَا يَجْرَحُهُمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، وَأَمَّا جُرْحُهُمْ بِالْعَدَاوَةِ أَوْ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ فَيَسْمَعُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ يَعْرِفُهُمْ الْحَاكِمُ؟ قِيلَ لَهُ: وَرَدَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُعْرَفُ الرَّجُلُ مِنْ سَاعَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ، وَمِنْ يَوْمِهِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ يَعْنِي لَمْ يُقْبَلُوا. يَعْنِي لَيْسَ كَوْنُهُمْ غُرَبَاءَ بِاَلَّذِي يُبِيحُ شَهَادَتَهُمْ، وَظَاهِرُهُ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الِاسْتِفَاضَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَظَاهِرُهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ عُدُولٌ أَمْ لَا.

وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا كَانَ الْبَلَدُ لَا عُدُولَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَيَسْتَكْثِرُ بِحَسَبِ خَطَرِ الْحُقُوقِ، قَالَ وَظَاهِرُ مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُزَادُ مِنْهُمْ عَلَى النِّصَابِ.