الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري
جِنَابِ الْحَقِّ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ دُرَرًا مَنْثُورَةً فِي عَجَاجِ بَحْرِ الْعُمَانِ، غَيْرَ مُنْتَظِمٍ فِي سِلْكِ الْقَوَاعِدِ وَالبَيَانِ، دَعَانِي الْحَدَبُ عَلَى أَهْلِ الْأَرَبِ وَالأَدَبِ إِلَى جَمْعِهِ فِي قَوَانِينِ الضَّبْطِ وَالبَيَانِ، بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، وَإِنْ كُنْتُ بِمَرَاحِلَ مِنْ جَانِبِ التَّصَدِّي لِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ الشَّانِ، وَلَكِنِّي (١) دَوَّنْتُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ فِي عِلْمِ التَّارِيخِ تُحْفَةً مِنِّي إِلَى الْإِخْوَانِ تُحْفَةَ النَّمْلَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ".
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّدْوِينِ أَيَّ اسْتِحْقَاقٍ، يَعْنِي لإِنْتِشَارِ كُتُبِهِ فِي سَائِر الآفَاقِ، وَلِذَا (٢) دَوَّنَهُ -كَمَا قَالَ- تَدْوِينًا حَسَنًا مَقْبُولًا قَبُولًا بَيِّنًا؛ لِيَكُونَ مَنْقُولًا إِلَى الصُّدُورِ وَالْأَقْوَامِ، بَاقِيًا عَلَى مَمَرِّ (٣) الأَيَّامِ (٤) وَالْأَعْوَامِ، مَذْكُورًا بِاللِّسَانِ، مَحْفُوظًا بِالْجَنَانِ، وَتَذْكِرَةً وَتَشْوِيقًا إِلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَإِتْيَانًا (٥) بِمُوجَبِ الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ شَاعَ وَذَاعَ:
كُلُّ خَطٍّ لَيْسَ فِي الْقِرْطَاسِ ضَاعَ … كُلُّ شَيْءٍ (٦) جَاوَزَ الاثْنَيْنَ شَاعَ
فَالتَّارِيخُ مِنَ المُهِمَّاتِ الْعِظَامِ، مَقْبُولٌ عِنْدَ الْأَنَامِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى فِكَرٍ وَعِبَرٍ، وَمَنْطَوٍ عَلَى مَصَالِحَ وَمَحَاسِنَ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا لَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، وَهُوَ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ (٧)، خِزَانَةُ أَخْبَارِ النَّاسِ وَالرِّجَالِ، مَعْدِنُ