تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل
وقول الآخر:
وَيَومٍ بذِي قَارٍ رَأيْتَ وُجُوهَهُمْ … إلىَ المَوْتِ مِنْ وَقْعِ السُّيوفِ نَوَاظِر
والشاهد: أنه أضاف النظر إلى الوجوه في كلا البيتين (١).
الوجه الثاني: من حيث اللغة: فإن كلمة (ترى) إذا تعدت إلى مفعول واحد، لا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُبْصَر. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فَـ (تَرى) ها هنا بمعنى: بَصَرِ العين، والهاء والميم به مفعولٌ، و ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في موضع الحال (٢).
وأيضًا: أن النظر المقرر بإلى يقتضي الرؤية، فإن لم يكن موضوع اللغة فأكثر استعمال العرب عليه نحو قوله:
نَظَرْت إلَى مَنْ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَهُ … فَيَا نَظْرَةً كَادَتْ عَلَى وَامِقٍ تَقْضِي
وقول علي بن عبد الله بن العباس (٣):
نَظروا إليكَ بأعينٍ محمرةٍ … نظرَ التيوسِ إلى شِفارِ الجازرِ (٤).
وهو كثير، وهو يحصل المقصود؛ ولأن غلبة استعماله تدل على أنه الحقيقة (٥).
•
النتيجة:
بعد إيراد ما تقدم من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، يتبين أن المراد من النظر في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الرؤية الحقيقة، وعلى التسليم بأن المراد غير ذلك، فإن حلمه على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لنفي الرؤية باطل بلا شك، لما تقدم إيراده من الأوجه الدالة على ذلك، والله أعلم.