تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل
•
دراسة المسألة:
تعددت أقوال أهل العلم في هذه المسألة كما تقدم، وما يترتب عليها من كل قول من الأقوال منها من معاني، والمتأمل فيما ذكره المفسرون يجد أن جميعها مُحتمل، ويُمكن حملها على الآية، إلا أن جميع هذه الأقوال قد تعرضت لتعقبات وإيرادات ترد عليها.
فأما القول الأول: وهو أن قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ يتعدى بنفسه دون الحاجة إلى حرف جر، قد تعقبه جمع من أهل العلم بأنه لا يجوز أن يكون ﴿شَيْءٍ﴾ مفعول به، عدى إليه ﴿فَرَّطْنَا﴾؛ لأن ﴿فَرَّطْنَا﴾ لا يتعدى بنفسه بل بحرف الجر، وقد عدى بـ (في) إلى (الكتاب) فلا يتعدى بحرف آخر (١).
قال أبو البقاء: ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ زائدة (٢). و ﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع المصدر. أي: تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا (٣). ونظير ذلك: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] أي ضررا. وقد ذكرنا له نظائر (٤). ولا يجوز أن يكون ﴿شَيْئًا﴾ مفعولا به، لأن فرطنا لا تتعدى بنفسها بل بحرف الجر، وقد عديت بـ ﴿فِي﴾ إلى ﴿الْكِتَابِ﴾، فلا تتعدى بحرف آخر، ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا (٥).