Skip to content

جلاء الأفهام - ت الأرنؤوط الفصل الثاني فصل

جلاء الأفهام - ت الأرنؤوط

ابن القيم

Printed page ١٧٠

الطَّبْع وتوهم المتوهم أَنه لَا تعقل رَحْمَة إِلَّا هَكَذَا نَظِير توهم المتوهم أَنه لَا يعقل علم وَلَا حَيَاة وَلَا إِرَادَة إِلَّا مَعَ خَصَائِص الْمَخْلُوق

وَهَذَا الْغَلَط منشؤه إِنَّمَا هُوَ توهم صفة الْمَخْلُوق الْمقيدَة بِهِ أَولا وتوهم أَن إِثْبَاتهَا لله هُوَ مَعَ هَذَا الْقَيْد وَهَذَانِ وهمان باطلان فَإِن الصّفة الثَّابِتَة لله مُضَافَة إِلَيْهِ لَا يتَوَهَّم فِيهَا شَيْء من خَصَائِص المخلوقين لَا فِي لَفظهَا وَلَا فِي ثُبُوت مَعْنَاهَا وكل من نفى عَن الرب تَعَالَى صفة من صِفَاته لهَذَا الخيال الْبَاطِل لزمَه نفي جَمِيع صِفَات كَمَاله لِأَنَّهُ لَا يعقل مِنْهَا إِلَّا صفة الْمَخْلُوق بل وَيلْزمهُ نفي ذَاته لِأَنَّهُ لَا يعقل من الذوات إِلَّا الذوات المخلوقة

وَمَعْلُوم أَن الرب ﷾ لَا يُشبههُ شَيْء مِنْهَا وَهَذَا الْبَاطِل قد الْتَزمهُ غلاة المعطلة وَكلما أوغل النَّافِي فِي نَفْيه كَانَ قَوْله أَشد تناقضا وَأظْهر بطلانا وَلَا يسلم على محك الْعقل الصَّحِيح الَّذِي لَا يكذب إِلَّا مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الصافات ١٥٩ فنزه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفه بِهِ كل أحد إِلَّا المخلصين من عباده وهم الرُّسُل وَمن تَبِعَهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لله رب الْعَالمين﴾ الصافات ١٨٠ ١٨٢ فنزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الواصفون وَسلم على الْمُرْسلين لِسَلَامَةِ مَا وصفوه بِهِ من كل نقص وعيب وَحمد نَفسه إِذْ هُوَ الْمَوْصُوف بِصِفَات الْكَمَال الَّتِي يسْتَحق لأَجلهَا الْحَمد ومنزه عَن كل نقص يُنَافِي كَمَال حَمده