تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل
فهذا تفسير النبي ﷺ، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا خير فيمن عدل عن قوله، وفسَّر القرآن برأيه.
قال ابن أبي حاتم: " إن الله ﷿ ابتعث محمدا رسوله ﷺ إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه: فقال ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل: ٤٤]، وقال ﷿ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [سورة النحل: ٦٤]، فكان رسول الله ﷺ هو المبين عن الله ﷿ أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله ﷿ به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها وآثاره التي بثها" (١).
الثاني: دلالة السياق: حيث أن سياق الآيات إنما ورد في قصة إبراهيم ونفي الشركاء والأضداد والأنداد، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات، حيث قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨١] فالسياق كله في التنفير عن الشرك، فوجب حمل الظلم هاهنا: الشرك بالله (٢).
الثالث: نظائر الآية: فمما يدل على أن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الشرك، قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠٦] (٣)، ففي هذه الآيات وصف الله تعالى أهل الكفر بالظلم، وأن من دعا غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله بأنه من الظالمين، أي: من المشركين، مما