النهاية في شرح الهداية - السغناقي
أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَ ظُهُوْرِ الحُرِّيَّةِ وَالْاسْتِحْقَاقِ لَوْ اخْتَصَمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِيْ إِلَى الْقَاضِيْ، فَالْقَاضِيْ يَقْضِيْ بِالثَّمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا [أَنَّ] (١) وُجُوْبَ الدَّيْنِ ظَاهِرَاً يَكْفِيْ لِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَلِصَيْرُوْرَتِهِ مَضْمُوْنًا، كَذَا فِيْ "الذَّخِيْرَةِ" (٢).
[الرهن بالأعيان المضمونة بأنفسها]
(وَيَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ) (٣)، أَيْ: وَيُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ: (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إِلَّا بِدَيْنٍ مَضْمُوْنٍ) (٤): (الْأَعْيَانُ الْمَضْمُوْنَةُ بِأَنْفُسِهَا) (٥)، هِيَ الْمَغْصُوْبَةُ (٦).
قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: (بِنَفْسِهَا)، احْتِرَازَاً عَنْ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا وَهِيَ ﴿الْمَبِيْعُ﴾ (٧) فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ مَضْمُوْنٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ (٨).
[أوْجُهُ الرهن بالأعيان]
وَفِيْ "الْمَبْسُوْطِ": ﴿اعْلَمْ﴾ (٩) بِأَنَّ الرَّهْنَ بِالْأَعْيَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: الرَّهْنُ بِعَيْنٍ هُوَ أَمَانَةٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الرَّهْنِ ثُبُوْتُ يَدِ الْاسْتِيْفَاءِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْأَمَانَةِ فِيْ الْعَيْنِ مَقْصُوْرٌ عَلَيْهِ، وَاسْتِيْفَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنٍ آخَرَ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
وَالثَّانِيْ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيْعِ فِيْ يَدِ الْبَائِعِ، وَهُوَ مَضْمُوْنٌ بِالثَّمَنِ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ أَيْضَاً.
وَالثَّالِثُ: الرَّهْنُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُوْنَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَغْصُوْبِ، وَهُوَ صَحِيْحٌ؛ لِأَنَّ مُوْجَبَ الْعَقْدِ رَدُّ الْعَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ، وَرَدُّ الْقِيْمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ دَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيْفَاؤُهُ مِنْ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ (١٠).