Skip to content

النهاية في شرح الهداية - السغناقي [تعريف الدية]

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Printed page ٢٤/ ١٨١

كِتَابُ الدِّيَات

[مناسبة ذكر الديات عقب الجنايات]

ذكر مسائل الدِّيات بعد ذِكر مسائل الجنايات التي توجب القصاص ظاهر التَّناسب لما أنَّ الدية إحدى مُوجَبَي الجناية؛ لأنَّ موجبيها القصاص والدية لكنَّه قدَّم أحكام القصاص على الديات، إما إشارة إلى أنَّ موجب القتل هو القصاص عيناً كما هو مذهبنا لكن للولي العدول إلى الدية (١)، وإمَّا لأنَّ معنى الإحياء والصيانة في إيجاب القصاص أكثر فقدَّم ما هو أكثر تصوُّناً به؛ لأنَّ الأصل هو الصيانة، وإمَّا لأنَّ وجوب الدية فيما كان فيه من العوارض كالخطأ أو في معنى الخطأ؛ فالعوارض مؤخرة عن الأصول فكذلك ما يتعلق بها من المسائل كانت مؤخَّرة عمَّا يتعلق من المسائل المتعلقة بالأصول.

[وأمَّا المحاسن] (٢) فهي المحاسن المذكورة في القصاص تذكر ههنا مع زيادة معنى إحياء القاتل ههنا، وهو إبقاؤه حيًا كما كان.

[تعريف الدية]

ثم الدية لغة: مصدر من ودى القاتل المقتول إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النَّفس [بِمَ قتل] (٣) ثُمَّ قيل لذلك المال: الدية تسمية بالمصدر فكان التاء في آخرها عوضاً عن الواو في أولها كالعدة (٤) والعظة، وتقول في الأمر من يدي وديا دوا، ومنه الحديث: «قوموا فدوه» (٥) وأصل التركيب يدلُّ على معنى الجري والخروج منه، الوادي؛ لأن الماء يدي فيه، أي: يجري ويسيل (٦).

ثم اعلم بأنَّ القتل بغير (٧) حق: من أعظم الجنايات بعد الإشراك بالله تعالى [قال الله تعالى:] (٨) ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٩) وذلك؛ لأنَّ في قتل النَّفس إفساد العالم ونقض البنية، ومثل هذا الفساد من أعظم الجنايات، ومعلوم أنَّ الجاني مزجور عن الجناية، إلا أنَّه لو وقع الاقتصار على الزَّجر بالوعيد في الآخرة ما انزجر إلا أقل القليل؛ فإنَّ أكثر النَّاس إنَّما ينزجرون عن مخافة العاجلة بالعقوبة وذلك بما يكون متعلقاً بالجاني أو محققاً (١٠) به، فَشَرَع الله القصاص والدية لتحقيق معنى الزَّجر وهذا الكتاب لبيان ذلك وقد سمَّاه محمَّد ﵀ كتاب الديات (١١)؛ لأنَّ وجوب الدية بالقتل أعمَّ من وجوب القصاص؛ فإنَّ الدية تجب في الخطأ وشبه العمد وفي العمد عند تمكن الشبهة، وكذلك الدية تتنوع أنواعاً والقصاص لا يتنوع فلهذا رجَّح جانب الدية في نسبة الكتاب إليها [ههنا] (١٢) كذا في «المبسوط» (١٣).