شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم
عاشوراء، وذكر الأحاديث الأُخَر. قال: وهذا عندنا من الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي ﷺ وكَّد (١) صومَه في أول الأمر قبل نزول شهر الصوم (٢)، حتى أمرهم بأن يُتمُّوا بقيةَ (٣) يومهم وإن كانوا قد أكلوا، وإنما يُفْعَل ذلك في الفريضة، ثم جاءت الأحاديث لما بيَّن أن ذلك كلّه كان قبل شهر رمضان، فلما فُرِض شهر رمضان، كان ما سواه تطوُّعًا.
ومما يؤكِّد ذلك حديث معاوية، ففيه وفيما اشتهر من الأحاديث بيان نسخ إيجاب صوم عاشوراء، وفيه أيضًا بيان أن النَّسْخ لم يكن على تركه البتة، ولكن على أنه صار تطوُّعًا، وهو اختيار أبي محمد، وهو أشبه (٤).
وهذا لِما روى سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ رجلًا: أنْ أذِّن في الناس: أنَّ مَن كان أكلَ فليصُمْ بقية يومِه، ومَن لم يكن أكَلَ فليصم، فإنَّ اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه (٥).
والأمر يقتضي الإيجاب خصوصًا في الصوم؛ فإنه لم يكن يأمر بصيام التطوُّع، وإنما يرغِّب فيه ويحضّ عليه، ثم أذانُه بذلك في الناس أذانًا عامًّا وأمْرُه للآكل (٦) بصوم بقيّة يومه توكيد ومبالغة لا يكون مثله لصومٍ مستحبّ.
وعن هند بن أسماء قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي مِن أسْلَم،