تقريب فتاوى ابن تيمية
وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْأَخْسَرِينَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
فَالْأَوَّلُ: حَالُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَلَا يَتَّبِعُونَهُ؛ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْيَهُودِ.
وَالثَّانِي: حَالُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [لقصص: ٥٠] (١).
وَكُلُّ مَن يُخَالِفُ الرُّسُلَ: هُوَ مُقَلِّدٌ، مُتَّبغ لِمَن لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبُاعُهُ.
وَكَذَلِكَ مَن اتَّبَعَ الرَّسُولَ بِغَيْرِ بَصِيرَةٍ وَلَا تَبَيُّنٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسْلِمُ بِظَاهِرِهِ، مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ الإيمَانُ إلَى قَلْبِهِ كَاَلَّذِي يُقَالُ لَهُ فِي الْقَبْرِ: مَا رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَا نَبِيُّك (٢)؟
فَيَقُولُ: هاه هاه لَا أَدْرِي، سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته -هُوَ مُقَلِّدٌ-.
فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِن حَدِيدٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإنْسَانَ، وَلَو سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ لَصُعِقَ؛ أَيْ: لَمَاتَ.
وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٤]، فَمَن لَمْ يَدْخُل الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ وَكَانَ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ: فَهُوَ مِن الْمُقَلِّدِينَ الْمَذْمُومِينَ.
فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ مَذْمُومٌ- وَهُوَ مَن اتَّبَعَ هَوَى مَن لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ؛