النهاية في شرح الهداية - السغناقي
قُلْتُ: هَذَا الْخَبَرُ؛ لَيْسَ كَخَبَرِ تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا خَبَراً تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ (١) بِالْقَبُولِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي ثُبُوتِهِ، لَكِنْ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسَلَامِ ﵀ فَقَالَ: وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ صَارَتْ فَرْضاً بِالْإِجْمَاعِ (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا وَفَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (٣).
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفْيِ، فَرْضِيَّةِ قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: فَقَدْ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ التَّمَامَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، واجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ التَّمَامَ تَعَلَّقَ بِالْقَعْدَةِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُجْزِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي، لِيَتَحَقَّقَ التَّخْيِيرُ، فَإِنَّ مُوْجِبُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، الْإِتْيَانَ بِأَحَدِهِمَا (٤)؛ وَلِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ، إِذَا كَانَ متلَقى بِالْقَبُولِ، جَازَ إِثْبَاتُ الرُّكْنِيَّةِ بِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ إِثْبَاتُ الْفَرْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَرْجَةَ الرُّكْنِيَّةِ أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِيَّةِ (٥) وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّكْنِيَّةِ، الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ فَإِنَّهَا إِنَّمَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «الْحَجُّ عَرَفَةٌ» (٦) وَالْوُقُوفُ مُعْظَمُ أَرْكَانِ (٧) الْحَجِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ ﵀ فِي "مَنَاسِكِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ".