تناسب باب الاستيلاد بباب التّدبير ظاهرٌ؛ لما أنّ لكلّ واحد من المدبّر وأمّ الولد حَقَّ الْحُرِّيَّةِ لَا حَقِيقَتَهَا، وأن عِتق كل واحد منهما متعلّق بموت المولى، وأن في كل واحد منهما الملك كامل، والرق ناقص بخلاف المكاتب؛ لكن مناسبة التّدبير بالعتاق أكثر من الاستيلاد؛ لما أن كلّ واحد من التّدبير والعتاق يثبت بالقول نفسه إنشاءً.
[٤١٦/ أ] بخلاف الاستيلاد فإنّ دعوى الاستيلاد إنّما ثبت بناءً على وجود الولد على وجه الإخبار لا على وجه الإنشاء، فلذلك قدّم باب التّدبير على باب الاستيلاد ليكون أقرب ما هو أكثر نسبة بباب العتاق، والاستيلاد (٢) وطلب الولد، فأمّ الولد من الأسماء الغالبة، كالصّغيرة والكبيرة في الصّفات الغالبة ومن/ الأسماء الغالبة أيضًا البيت للكعبة والنّجمُ للثريا، فكان في هذا كلّه خروج من العموم إلى الخصوص.
قوله: «لا يجوز بيعها) (٣) وهو قول جمهور الفقهاء، وكان بشر المريسي وداود ومن تابعه من أصحاب الظّواهر يقولون يجوز بيعها (٤)؛ لأنّ الماليّة والمحليّة للبيع قبل الولادة معلومة فيها بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين مثله، وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين، ولكنّا نقول في معارضة هذا الكلام: لما حبلت (٥) من المولى امتنع بيعها بيقين، فلا يرتفع ذلك إلا بيقين مثله، ولا بيقين (٦) بعد انفصال الولد، فإن (٧) قال: إنما امتنع بيعها؛ لأنّ في بطنها ولدًا حرًا، وقد علمنا انفصاله عنها. قلنا: لا، كذلك بل امتنع بيعها لثبوت الحريّة في جزء منها؛ فإنّ الولد يعلّق من المائين حرّ الأصل، وماؤها جزء منها، وثبوت الحريّة بجزء منها مانع من بيعها، وهذا المعنى لا يرتفع بالانفصال.
وإليه أشار عمر ﵁ فقال: «أبعد ما اختلطت لحومكم بلحومهنّ ودماؤكم بدمائهن؟» (٨) وإنّما امتنع بيعها؛ لأنّها صارت منسوبة إليه بواسطة الولد؛ لأنّه يقال: أم ولده. وهذه النسبة توجب العتق، فتمنع البيع ضرورةً، وبالانفصال يتقرّر هذا المعنى، ولا يرتفع. ثم الآثار المشهورة تدل على ذلك، فمنها: حديث عكرمة (٩) عن ابن عباس ﵃ أنّ النبي ﵇ قال: «أي أمة ولدت من سيّدها فهي معتقة عن دبر منه» (١٠) ولما ولدت مارية (١١) إبراهيم من رسول الله ﵇ قيل لرسول الله ﵇: ألا تعتقها؟ قال: «قد أعتقها ولدها». (١٢) ففي هذين الحديثين دليل استحقاق العتق لها، وذلك يمنع البيع كما في المدبّر). كذا في المبسوط (١٣).