النهاية في شرح الهداية - السغناقي
الحديث، والحال أن الإغماء فوق النوم في الغفلة على ما ذكرنا فلذلك لا يقاس الإغماء على النوم في حق عدم انتقاض الوضوء في أحوال القيام والقعود والركوع والسجود فإنه لما كان الإغماء فوق النوم لم يكن ورود الحديث [في النوم] (١) ورودًا في الإغماء للمفارقة بينهما، فإنه لو لم يكن أدنى [الغفلة] (٢) ناقضًا لا يلزم أن لا يكون أعلاها ناقضًا، بل يكون ناقضًا لوجود المعنى الذي هو به اختص دون الأدنى، فلذلك لم يفترق الحكم في قليل الإغماء (٣) وكثيره، وكذلك السكر يكون ناقضًا كالإغماء.
(وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لأنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلاةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «أَلا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ. وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلاةَ دُونَ الْوُضُوءِ.
-قوله: (وبمثله نترك القياس) أي: وبمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون وكان [راويه] (٤) من المعروفين بالفقه والتقدم في الاجتهاد كأبي موسى الأشعري ﵁ يترك القياس.
وقال في «الأسرار»: «والمشهور ما روى أبو العالية مرسلاً ورواه مسندًا إلى أبي موسى الأشعري: أن رجلاً دخل المسجد وفي بصره سوء فمر على بئر عليها خصفة إلى أن ذكر حديث الضحك» (٥). ثم قال: «ورواه أيضًا أسامة بن زيد عن أبيه (٦). فهو وإن ورد بخلاف القياس لكن لما ثبت برواية العلماء المشهورين وعمل به الصحابة والتابعون وجب رد القياس به» (٧).