Skip to content

مواهب الجليل من أدلة خليل الكلام على جريمة الشرب

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Printed page ٤/ ٣٨٠

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..

= نزلت بتحريم الخمر، بعد ما ذكر الأحاديث التي وردت في أسباب نزول الآيات التي نزلت في الخمر، قال: هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحًا معمولًا به، معروفًا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير، وأن النبي ﷺ أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١). وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؛ وحديث حمزة فيه حين بقر خواصر ناقتي عليّ ﵄، وجبّ أسنمتهما، فأخبر عليّ بذلك النبي ﷺ، فجاء إلى حمزة فصدر عنه للنبي ﷺ من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي ﷺ وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة ﵁ كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل؛ ثم إن النبي ﷺ لم ينكر على حمزة ولم يعنفه، لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لمَّا قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، رجع على عقبيه القهقرى وخرج عنه. قال أبو عبد الله: وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة، لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهاب العقل، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه.

قلت: كون الخمر كانت تستعمل في صدر الإِسلام لا يقتضي أنها كانت مباحة في شرائع من قبلنا؛ لأن أهل الفن قرروا أنها كانت مباحة في صدر الإِسلام بالبرآءة الأصلية لأن الأصل في الأشياء الإِباحة قبل نزول الشرع بتحريمها، ولذلك قال شيخ مشائخنا الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود:

أباحها في أول الإِسلام … براءةٌ ليست من الأحكام

يعني الخمر.

وكون المسلمين في صدر الإِسلام كانوا يستعملون الخمر على البراءة الأصلية، ليس فيه أي دليل يستدل به على إباحتها في شرائع الأنبياء قبل نبينا عليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة وأزكى السلام، وحتى على القول بأنها أبيحت شرعًا في شرع نبينا ﵊ في صدر الإِسلام كما ذهب إليه بعض المحققين أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ (٢).