Skip to content

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة شرح حديث: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه)

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٥١/ ٦

شرح حديث: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه)

وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: (كنت في أصحاب الصفة) والصفة: مكان في مؤخرة المسجد له غطاء يقعد فيه الفقراء ممن هاجروا إلى النبي ﷺ وليس لهم زوجات ولا بيوت، فهم أضياف رسول الله ﷺ، فهؤلاء كان منهم واثلة، يقول: (كنت في أصحاب الصفة، ولقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تام)، أي: لا يوجد شخص يلبس ثوباً كاملاً.

يقول: (وقد أخذ العرق في جلودنا طريقاً من الغبار والوسخ) فالمدينة كانت حارة، وهم لا يجدون ماءً يستحمون به ويتجملون، قال: (إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ليبشر فقراء المهاجرين)، أي: أبشروا يا فقراء المهاجرين، قال: (إذ أقبل رجل عليه شارة حسنة)، أي: جاء شخص من الناحية الأخرى متجملاً بأحسن الثياب، قال: (فجعل النبي ﷺ لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه أن يأتي بكلام يعلو كلام النبي ﷺ فهو إنسان سافل حقير، النبي ﷺ يتكلم وهو يقوم يتكلم ويريد بهذا أن يقول كلاماً أحسن من كلام النبي ﷺ، فهو يتكلف الفصاحة! إذاً: لا تحكم على الإنسان بظاهره، فهذا الذي أتى وهو لابس حلة وعليه شارة، جاء مستكبراً حتى على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ألا لعنت الله على الظالمين! وظل النبي ﵊ يتكلم وهذا الرجل يذهب بكلام ليظهر الفصاحة وأنه أحسن كلاماً من النبي ﷺ، فرسول الله لم يرد عليه وتركه حتى انصرف، فلما انصرف قال النبي ﷺ: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه).

فهذا بغيض عند الله سبحانه ﵎؛ لأنه معجب بنفسه، فنسي أنه أمام النبي ﷺ أفصح الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وأتى يريد أن يتعاظم أمام النبي ﷺ، وكأن ثيابه التي لبسها دفعته إلى الغرور، حتى إنه لا يقدر لرسول الله ﷺ قدره، يقول النبي ﷺ: (إن الله لا يحب هذا وأضرابه، يلوون ألسنتهم للناس لي البقر بلسانها المرعى) مثل البقرة عندما تأخذ الكلأ والمرعى بلسانها وتلوكه، فكذلك هذا الإنسان يريد أن يجمع بين الفصاحة بزعمه وظنه.

قال ﷺ: (كذلك يلوي الله تعالى ألسنتهم ووجوههم في النار) يعني: هذا المغرور يوم القيامة يلوي الله لسانه ووجهه ويدخله نار جهنم والعياذ بالله! المقصود من جملة هذه الأحاديث: أنك لا تنظر ولا تحكم على الإنسان بملبسه وشارته، ولذلك وفد بعض الحكماء من العرب على خليفة من الخلفاء وكان لابساً جبة رثة فقيرة ليس فيها زينة ولا شيء، فالخليفة كأنه ما عبره وجعل ينظر إلى الجبة، فهذا الحكيم يتكلم والخليفة ينظر إلى الجبة، فقال: هذا الذي يكلمك وليست هذه، يعني: ليست الجبة هي التي تكلمك، وإنما لساني هو الذي يكلمك، فانظر إلى حكمة هذا الإنسان وعقله، ودعك من النظر إلى ثيابه وغناه، فإن الذي ينفع الإنسان هو ما وقر في قلبه من إيمان، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.