Skip to content

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة الترغيب في السماحة في البيع والشراء وحسن التقاضي والقضاء شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالا)

شرح الترغيب والترهيب للمنذرى - حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ٢٧/ ٥

شرح حديث: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً)

عن حذيفة ﵁ قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً، فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ -ولا يكتمون الله حديثاً- فقال الرجل: يا رب! آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز -أي: السهولة في التجاوز والتغاضي- فكنت أيسِّر على الموسر، وأُنظِر المعسر) أي: أنه مع كل الناس إنسان طيب، فكان يصبر على الموسر ويتجاوز عن المعسر ويسامحه، ويصبر عليه فترة طويلة.

(فقال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي) هذا الحديث موقوف من قول حذيفة، وقد رواه غيره كـ عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري قالوا: هكذا سمعناه من رسول الله ﷺ، أي: هكذا سمعوا هذا الحديث أن الله سبحانه تجاوز عن هذا العبد يوم القيامة لكونه كان يتعامل مع الناس بتيسير وليس بتعسير.

ومن أخلاق النبي ﷺ السهولة والتيسير، فقد كان أحسن الناس قضاء ولذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ يتقاضاه)، والنبي ﷺ كان يستدين؛ لكثرة الضيوف الذين ينزلون عليه وكثرة أهل الحاجة، ولا يوجد بيت مال عند النبي ﷺ حتى ينفق منه، ولهذا كان يستدين، ويقضي مما آتاه الله ﷿ من رزق، قال ﵊: (جعل رزقي تحت ظل رمحي)، فماله ﷺ من الفيء ومن المغانم، كان يعطي منه لأهله النفقة الواجبة، وينفق على الناس صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يعطي أهل بيته صدقات ولا زكوات؛ لأنهم لا يحل لهم منها شيء، وكان يوزع الغنائم للناس الذين يأتون يطلبون منه، فقل أن يمر عليه وقت إلا ويستلف ﷺ.

فجاء رجل قد استلف منه النبي ﷺ ليتقاضاه ويطلب من النبي ﷺ فأغلظ على النبي ﷺ فهمَّ به أصحابه، أي: أن هذا الرجل جاء للنبي ﷺ يطلبه ما عليه بطريقة سيئة، فقال له النبي ﷺ: (اصبر قليلاً حتى يأتي لنا مال، فإذا بالرجل يتطاول على النبي ﷺ ويقول: يا محمد! هات ما عليك، فإنكم -يا بني عبد المطلب- قوم مطل -أي: أناس مماطلون- فلما قال ذلك قام الصحابة ليضربوه، فهدّأ الرسول ﵊ الصحابة أن اصبروا، إن لصاحب الحق مقالاً) صحيح أنه أساء الأدب ولكنه صاحب حق فاصبروا عليه.

فصبر وأرانا حسن خلقه ﷺ، بل أعظم من ذلك أنه يعذر مثل هذا الإنسان المتهجم عليه بالكلام القبيح، ويقول: لا بأس إنه صاحب حق وله مقال، وليس من حق هذا ولا غيره أن يقول للنبي ﷺ ذلك، ولكن النبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، فصبر عليه وأمرهم أن يوافقوه وأن يؤدوا له الذي يريده فأعطوه مُسنَّاً مثل سنه.

ويطلق على الجمل أو الناقة عندما تبلغ سنة بنت مخاض، أو بنت لبون وهي التي تبلغ من العمر سنتين، أو حقة وهي التي تبلغ ثلاث سنوات، وجذعة عندما تبلغ أربع سنوات وهكذا، فإذا زادت في السن تكون أغلى في السعر.

فهذا الرجل سلَّف النبي ﷺ سناً معيناً فقال: (اقضوه مثل سنّه أو أعطوه سنَّاً مثل سنّه، فقالوا: لا نجد إلا أمثل من سنه، أي: الذي عندنا أحسن من الذي أعطاه لنا -وكأنهم نظروا أنه لا يستحق؛ لأنه قليل الأدب، فلا يستحق أن نعطيه أحسن مما أعطى للنبي ﷺ فإذا بالنبي ﷺ يقول: أعطوه؛ فإن خيركم أحسنكم قضاء)، فأرانا حسن خلقه ﷺ مع هذا الإنسان السيئ، وأرانا حلمه مع هذا الإنسان المتهور المتعجل، وأرانا حسن القضاء مع هذا الذي يعسر في طلب الحق الذي له، فأرانا النبي ﷺ بعمله وخلقه أن الإنسان يتجاوز لعل الله ﷿ أن يتجاوز عنه.

نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.