تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
وهذه الدَّرجات مبنيَّةٌ على التوحيد الخاصِّ الذي تكلَّمنا عليه في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١)، فهي تقْوَى بقوَّته، وتَضعف بضعْفه.
فإن قيل: هل يُشترط في التوكل تركُ الأسباب أم لا؟
فالجواب: أنَّ الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سببٌ معلومٌ قطعًا، قد أجراه الله تعالى، فهذا لا يجوز تركه، كالأكل لدفع الجوع، واللِّباس لدفع البرد.
والثاني: سببٌ مظنونٌ، كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدحُ فعلُه في التوكل؛ فإن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي على ذلك.
والثالث: سبب موهومٌ بعيد، فهذا يقدحُ فعلُه في التوكل.
ثم إنَّ فوقَ التوكل التفويضُ؛ وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مرادٌ واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوِّض فليس له مرادٌ ولا اختيار، بل أسند الاختيارَ إلى الله تعالى، فهو أكملُ أدبًا مع الله تعالى.