الجواهر من فقه الحنفية
ومن الرياضةِ (١) السفرُ الظاهرُ (٢) في تهذيبِ الأخلاقِ والآدابِ، وقالوا: لكلِّ شيءٍ دباغةٌ، ودِباغةُ الرجُلِ غُربَتُه، والسفرُ الظاهِرُ أَن يَمنَعَ البدنَ عن (٣) فائِدَتِهِ، فالنفسُ في الوطنِ لا تُظهِرُ (٤) خبائِثَ أخلاقِها؛ لاستِئْنَاسِها بما يُوافِقُ طَبعَها من المألوفاتِ المعهودةِ.
وإذا (٥) امتحِنَتْ بمَشَاقِّ الغُربَةِ، وانكشفَتْ غَوائِلُها، يحصلُ (٦) الوقوف على عيوبها، فيُمكِنُ الاشتغالُ بعَلائِقِها (٧)، ويقالُ: أسفَرَ الصبحُ إذا تنوَّرَ فظهرَ (٨) الأشياءُ سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه يُسفِرُ عَنِ (٩) المسافرِ؛ أي: يُظهِرُ ويَنكَشِفُ الأخلاقُ المقبولَةُ من المذمومَةِ.
وإذا سافَرَ المسافرُ تاركًا حظَّ الدنيا (١٠): تطيبُ (١١) النفسُ وتلينُ، وتكونُ لها بالسفر دِباغةٌ حَتَّى تَذهَبَ (١٢) عنه الخشونةُ واليُبُوسَةُ والجِبلَّةُ (١٣) والعُفونةُ الطبيعيَّةُ،