Skip to content

أحكام أهل الذمة - ط رمادي فصل في الصابئة واختلاف الناس فيهم

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Printed page ١/ ٢٣٩

وَبِهِمْ، وَهُمْ آلِهَتُنَا وَشُفَعَاؤُنَا عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ وَإِلَهِ الْآلِهَةِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُطَهِّرَ نُفُوسَنَا عَنِ الشُّبُهَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَنُهَذِّبَ أَخْلَاقَنَا عَنْ عَلَائِقِ الْقُوَّةِ الْعَصَبِيَّةِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرُّوحَانِيَّاتِ، فَحِينَئِذٍ نَسْأَلُ حَاجَاتِنَا مِنْهُمْ، وَنَعْرِضُ أَحْوَالَنَا عَلَيْهِمْ، وَنَصْبُوا فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا إِلَيْهِمْ، فَيَشْفَعُونَ لَنَا إِلَى خَالِقِنَا وَخَالِقِهِمْ وَرَازِقِنَا وَرَازِقِهِمْ، وَهَذَا التَّطْهِيرُ وَالتَّهْذِيبُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِرِيَاضَتِنَا وَفِطَامِ أَنْفُسِنَا عَنْ دَنِيَّاتِ الشَّهَوَاتِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالِاسْتِمْدَادِ مِنْ جِهَةِ الرُّوحَانِيَّاتِ، وَالِاسْتِمْدَادُ هُوَ التَّضَرُّعُ وَالِابْتِهَالُ بِالدَّعَوَاتِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوَاتِ، وَالصِّيَامِ عَنِ الْمَطْعُومَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَتَقْرِيبِ الْقَرَابِينِ وَالذَّبَائِحِ وَتَبْخِيرِ الْبَخُورَاتِ مَعَ الْعَزَائِمِ لِيَحْصُلَ لِنُفُوسِنَا اسْتِعْدَادٌ إِلَى الِاسْتِمْدَادِ الْعَالِي مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَيَكُونَ حُكْمُنَا وَحُكْمُ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ وَاحِدًا.

قَالُوا: وَالْأَنْبِيَاءُ أَتَوْا بِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَتَهْذِيبِهَا وَتَطْهِيرِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الرَّذَائِلِ، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَهُوَ سَعِيدٌ.

قَالُوا: وَالرُّوحَانِيَّاتُ هِيَ الْأَسْبَابُ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ وَتَصْرِيفِ الْأُمُورِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَهِيَ تَسْتَمِدُّ الْقُوَّةَ مِنَ الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ وَتَفِيضُ الْفَيْضَ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ السُّفْلِيَّةِ، فَمِنْهَا مُدَبِّرَاتُ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ فِي أَفْلَاكِهَا، وَهِيَ هَيَاكِلُهَا فَلِكُلِّ رُوحَانِيٍّ هَيْكَلٌ وَهُوَ فَلَكٌ، وَنِسْبَةُ الرُّوحَانِيِّ إِلَى ذَلِكَ الْهَيْكَلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ نِسْبَةُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ، فَهُوَ رَبُّهُ وَمُدَبِّرُهُ.