وبرز مولانا السلطان لظاهر القاهرة المحروسة، وخيّم بمسجد التّبن (١) في عساكره التي ملأت الفجاج، فزادت على عدد ما للبحار من أمواج. فحصل له بهذه المنزلة مرض رمي الدّم، فأقام أيّاما وقضى بمخيّمه، ووافاه المنون بمحتّمه (٢).
وشقّت عليه الجلود لا الجيوب، وكادت الجبال تذوب لا القلوب، وانحنت السيوف لا الظهور، واندقّت الرماح لا الصّدور. وساء الورود ذلك الصّدور. / ١٢٩ ب / وقدّرت حمامه بتلك المنزلة فحلّ بها حين حلّها، ومنيتّه بتلك البقعة في تلك المدّة وما كان أكثر همومها واقلّها.
ومن كتبت منيّته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
وجعل في تابوت، وطلع به إلى قلعته، وقد ساءها سوء رجعته. ولم يزل بها إلى أن اشتدّ أمر ولده السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وتمّ سلطانه ولزم، وختم بأمر ملكه وحزم. ثم نقل إلى قبّته المقدّسة بالقاهرة المحروسة ليلا، وقد أوسع الناس ويلا.
فرحم الله تلك الروح الزكيّة، وأنالها رتبة الرفيق الأعلا (٣)، فإنّها آخر ما كان يؤمّله من الرتب العليّة.