تقريب فتاوى ابن تيمية
فُضِّلَ بِهِ الْمُؤمِنُ: إيمَان وَإِسْلَامٌ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَن رَأَى مِنْكُمْ مُنْكرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ" (١)، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "فَمَن جَاهَدَهُمْ (٢) بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَن جَاهَدَهُم بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ" (٣).
فَإِنَّ مُرَادَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا الْإِنْكَارِ مَا يَدْخُل فِي الْإِيمَانِ حَتَّى يَفْعَلَهُ الْمُؤْمِنُ؛ بَل الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ آخِرُ حُدُودِ الْإِيمَانِ.
لَيْسَ مُرَادُهُ: أَنَّ مَن لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ لَمْ يَكُن مَعَهُ مِن الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ؛ وَلهَذَا قَالَ: "لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ" فَجَعَلَ الْمُؤمِنِينَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ، وَكُل مِنْهُم فَعَلَ الْإِيمَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا كَانَ أَقْدَرَهُم كَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْمَلَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي، وَكَانَ مَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي أَكْمَلَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِم بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ مَعَ بُلُوغِ الْخِطَابِ إلَيْهِم كُلِّهِمْ (٤). [٧/ ٤٢٦ - ٤٢٨]
فاسْمُ الْإِيمَانِ:
- تَارَةً يُطْلَقُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ مِن الْأَقْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ؛ مِن التَّصْدِيقِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتَكُونُ الْأَقْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْأَعْمَالُ: لَوَازِمهُ وَمُوجِبَاتهُ وَدَلَائِلهُ.
- وَتَارَةً عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ، جُعِلَا لِمُوجَبِ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّاهُ.