Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ١/ ٤١٣

سَمِعَ الْمُتَعَلِّمُ مِن الْعَالِمِ حَدِيثًا فَإِنَّهُ يَرْغَبُ فِي فَهْمِهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ مِن الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؟

بَل وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ رَغْبَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِي تَعْرِيفِهِمْ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِن رَغْبَتِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ حُرُوفَهُ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْحُرُوفِ بِدُونِ الْمَعَانِي لَا تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ؛ إذ اللَّفْظُ إنَّمَا يُرَادُ لِلْمَعْنَى.

الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّ اللهَ -سبحانه وتعالي- قَد حَضَّهُم عَلَى تَدَبُّرِهِ وَتَعَقُّلِهِ وَاتِّبَاعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩].

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَة عَرَبِيًّا لِأَنْ يَعْقِلُوا، وَالْعَقْلُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِمَعَانِيهِ. [٥/ ١٥٤ - ١٥٨]

* * *

(وُجُوبُ إثْبَاتِ الْعُلُوِّ للهِ تَعَالَى وَنَحْوِهِ يَتَبَيَّنُ مِن وُجُوهٍ)

٤٤٤ - وُجُوبُ إثْبَاتِ "الْعُلُوّ للهِ تَعَالَى" وَنَحْوِهِ يَتَبَيَّنُ مِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الْمُسْتَفِيضَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَغَيْرَ الْمُتَوَاتِرَةِ وَكَلَامَ السَّابِقِينَ وَالتَابعِينَ وَسَائِرِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ: مَمْلُوءٌ بِمَا فِيهِ إثْبَاتُ الْعُلُوّ للهِ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ بِأَنْوَاعِ مِن الدَّلَالَاتِ، وَوُجُوهٍ مِن الصِّفَاتِ، وَأَصْنَافٍ مِن الْعِبَارَاتِ:

أ - تَارَةً يُخْبِرُ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَقَد ذَكَرَ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ.

ب - وَتَارَة يُخْبِرُ بِعُرُوجِ الْأَشْيَاءِ وَصُعُودِهَا وَارْتفَاعِهَا إلَيْهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨].

ج - وَتَارَةً يُخْبِرُ بِنُزُولهَا مِنْهُ أَو مِن عِنْدِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].