وقد فرقنا بين هذا وبين الوصية بالعتق من قبل وذلك الفرق إنما وقع على قول أبي حنيفة: وهو الذي ذكره قبل هذا الفصل بقوله: وله أنه وصيته بعتق عبد يشترى بمائة وتنفيذها فيمن يشتري بأقل منه تنفيذ لغير الموصى له … إلى آخره (١).
ومن خرج من بلده حاجًا قيد بقوله: حاجًا لأنه لو خرج للتجارة فإنه يحج من بلده هناك بالاتفاق؛ وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله: بخلاف سفر التجارة؛ ثم هذا الخلاف فيما إذا كان له وطن فإن لم يكن له وطن فمن حيث مات بالاتفاق؛ لأنه لو تجهز بنفسه للحج إنما يتجهز من حيث هو فكذلك إذا أوصى؛ وهذا لأن من لا وطن له فوطنه حيث حل وإن أحجوا عنه من موضع آخر فإن كان أقرب إلى مكة فهم ضامنون؛ وإن كان أبعد لا ضمان عليهم لأن في الأول لم يحصّلوا مقصوده بصفة الكمال والإطلاق يقتضي ذلك؛ وفي الثاني حصلوا مقصوده وزيادة، وله (٢) أن الوصية تنصرف إلى الحج من بلده إلى آخره (٣).
ولأبي حنيفة: وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ قال: «كل عمل ابن آدم ينقطع [بموته] (٤) إلا ثلاثة [علم علمه الناس، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له بالخير» (٥)، ذكر في كتاب الحج من هذا الكتاب] (٦)؛ والخروج للحج ليس من الثلاثة فينقطع بالموت؛ والثاني أن خروجه إنما يكون قربة بطريق أنه يتوصل به إلى أداء الحج وقد تبين أن هذا الخروج ما كان يوصله إلى ذلك والدليل عليه أنه [ظهر] (٧) بموته أن سفره كان سفر الموت لا سفر الحج، كما روي أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة» (٨)، فكان هذا في المعنى وخروجه للتجارة سواء؛ ثم هناك يحج عنه من وطنه فهنا كذلك كذا في المبسوط (٩).