Skip to content

النهاية في شرح الهداية - السغناقي (باب ما يكون يمينا وما لا يكون)

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Printed page ١٠/ ١٠٣

قال: لا كفارة لها هذا قول القائل بقوله علىَّ يمين، أي تجب عليه الكفارة بقوله عليَّ يمين وإن نفى الكفّارة صريحًا بقوله؛ لأن قوله َّعلى يمين لما كان موجبًا للكفارة لا يفيد قوله: لا كفارة، أمّا بعد ذلك (١) يريد به الإيجاب فعليه يمين لها كفارة؛ وإنّما كان كذلك؛ لأن كله علىَّ للإيجاب، فلما كان كذلك كان هذا إقرارًا عن موجب اليمين، فموجب اليمين البر إن أمكن وإلا فالكفارة حلف عنه ولم يمكن تحقيق البر ههنا؛ لأنّه لم يعقد يمينه على فعل شيء، أو تركه فكان إقرارًا عن موجب موجب اليمين، وهو الكفّارة على وجه الخلافة، وبالإقرار تجب الحدود، فكذا الكفارة وكذلك في قوله عليَّ نذر، ففيه كفّارة يمين على ما يجيء بعد هذا، فلما كان كذلك في قوله عليَّ يمين.

وفي قوله: عليَّ نذر كان في قوله: أقسم عند قران البينة بالقسم كذلك لما أن أصله الحال في استعمال الفقهاء، حتّى جعل في الشّرع قول المرأة أختار نفسي عند التخيير بمنزلة اخترت، وكذلك قول الموحد: أشهد أن لا إله إلا الله وقول الذي يشهد عند مجلس القضاء بقوله أشهد.

وحاصل ذلك أنّ قوله: أقسم لما كان عبارة عن الإقرار بوجوب الكفّارة بهذا التقرير الذي ذكرنا، خرج الجواب عن جميع السؤالات، فإنّه لما كان عبارة عن الإقرار بوجوب الكفارة، لم يحتج إلى وجوب البرّ ابتداء؛ ولا إلى تصوير هتك اسم الله تعالى ولا إلى جعل تلك الصيغة للاستقبال، ثم عندنا لا يتفاوت بين أن يقول: أقسم وبين أن يقول أقسم بالله فكلّ واحد منهما موجب للكفّارة.

وقال زفر ﵀ بالفرق بينهما فأوجب اليمين والكفارة عند قران اسم الله تعالى ولم يوجب عند عدم قرانه، فكذلك قوله أحلف وأشهد عندنا يكون يمينًا بدون أن يقرن به اسم الله تعالى وعند زفر ﵀ لا يكون يمينًا بدون ذكر اسم الله.

أمّا قوله: أقسم فقال زفر ﵀: لا يكون يمينًا؛ لأنّ هذا وعد بأن يقسم بهذا اللّفظ، وأنّا نقول هذا اللّفظ عند القِران به ذكر اسم الله تعالى أو عند عدم القِران به يكون يمينًا فيستدل فيه بقوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ (٢) والاستثناء يكون في اليمين، وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) وكذلك أحلف أو أحلف بالله (قال الله تعالى: (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ (٤) وقال (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ (٥)، فدلّ أنّ كلّ واحد منهما يمين سواء ذكر قوله بالله أو اطلق؛ لأن الحلف في الظّاهر يكون بالله وكذلك قوله: أشهدا وأشهد بالله كلّ واحد منهما يمينٌ قال الله تعالى: (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٦) إلى قوله: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٧) فقد سمّى شهادتهم يمينًا وقال (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٨) واللّعان يمين قال ﵇: «لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن» (٩). (ولأنّ قول الشاهد بين يدي القاضي أشهد في معنى اليمين، ولهذا عظم الوزر في شهادة الزّور؛ لأنّها بمعنى اليمين الغموس) كذا في المبسوط. (١٠)