Skip to content

النهاية في شرح الهداية - السغناقي (باب ما يكون يمينا وما لا يكون)

النهاية في شرح الهداية - السغناقي

الحسام السغناقي

Printed page ١٠/ ١٠١

ومنهم من تعلل فيقول: رحمة الله الجنّة قال الله تعالى (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وإذا كانت الرحمة بمعنى الجنة والسّخط والغضب بمعنى النّار يكون حلفاً بغير الله وهذا أيضاً غير مرضي عندنا فإنّ الرحمة والغضب صفة الله تعالى.

والأصحّ أن يقول: الأيمان مبنية على العرف والعادة فما تعارف النّاس الحلف به يكون يمينًا وإلا فلا، والحلف بقدرة الله وكبريائه وعظمته متعارف وبرحمته وغضبه غير متعارف ولهذا (لم يجعل قوله وعلم الله يمينًا)؛ لأن الحلف بها غير متعارف

[٤٢١/ ب] ولهذا قال محمّد ﵀: وأمانة الله أنّه يمين ثم لما سئل عن معناه قال: لا أدري. فكأنه وجد العرب يحلفون بأمانة الله عادة، فجعله يمينًا، وفيه خلاف الطّحاوي (٢) ﵀ فوجه رواية الأصل أنّه يتعذّر الإشارة إلى شيء بعينه على الخصوص أنّه أمانة، والحلف به متعارف فعلمنا أنّهم يريدون به الصّفة فكأنّه قال والله الأمين) /

(ومن حلف بغير الله لم يكن حالفًا) إلى قوله فليحلف بالله أو ليذر.

فإن قلت: قد أقسم الله تعالى بغير ذاته وصفاته كقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٣) وقال (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (٤) وقال: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٥) وغيرها من الآيات فهذا يؤذن على جواز أن يقسم بغير اسم الله وصفاته لما ذكرت أن اقسامه إذن بالإقسام، وذلك لأن ما عظمه الله تعالى فهو واجب التّعظيم، وفي الإقسام بالشّيء تعظيم للمقيم فلا يبعد أن يكون للعبد ولاية تعظيم ما عظمه الله تعالى بالقسم كالله تعالى فكيف جاء النّهي عنه؟

قلت: لا يصحّ هذا القياس؛ لأنّ لله تعالى ولاية الإيجاد والإعدام والأمر والنّهي والتّعظيم والتّحفيز فلما نهى الله تعالى عبده عن الحلف بغيره، لم يبق للعبد ولاية أن يحلف بغيره فإن الله تعالى مفترض الطّاعة واحترام اسمه فرض لا زوال له واحترام غيره مما له زوال؛ فإن حرمته لم يكن لذاته فمن الجائز إن زالت حرمته أو إن لم يزل لكن العبد لا يدري بأي وجه يجوز التّعظيم، فلما نهى الله تعالى العبد عن تعظيم غيره بوجه الإقسام، يجب على العبد أن ينتهي. وأمّا الله تعالى فله ولاية أن يثبت الحرمة لمن شاء بما شاء إلى أي وقت شاء وليس للعبد ذلك، وأمّا ما اعتاد النّاس من الحلف بجان سرتو فإن اعتقد أنّه حلف واعتقد أن البر به واجب يكفر. كذا في محاسن الشّرائع (٦) وذكر في تتمة الفتاوى قال علي الرازي (٧) ﵀: أخاف على من قال بحياتي وحياتك وما أشبه ذلك؛ أنّه يكفر. ولولا أن العامة يقولون ولا يعلمونه لقلت: أنّه شرك؛ لأنّه لا يمين إلا بالله، وإنّما جعل الله تعالى اليمين بالله ليرعوي الرجل؛ أي ليمتنع الرجل إذا ذكر الله فلا يحلف هو وإذا حلف بغير الله فكأنه أشرك معه، وقال ابن مسعود ﵁: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا» (٨).