النهاية في شرح الهداية - السغناقي
(ولا يُشترطُ الإنزالُ في المحلينِ) (١) (٢)، وقال سُليمانُ الأعمشُ (٣): لا قضاءَ عليهِ، ولا اغتسالَ ما لم يُنزلْ، واحتجَّ بما رُوِيَ عن النبيِّ ﵊ أنهُ قالَ: «الماءُ مِنَ الماءِ» (٤)، والمعنى في ذلك أنَّ الجماعَ وُجِدَ صورةً، ولم يُوجْد معنى، ولا عِبرةَ للصورةِ، ولهذا قالَ بأنهُ إذا أكلَ مالا يتغذى به لا يفسدُ صومُهُ، وبهِ قالَ الحسنُ بنُ حي، وعامةُ العلماءِ احتجوا بما رُوِيَ عن النبي ﵊ أنهُ قالَ: «إذا التقى الختانان، وغابتْ الحشفةُ وَجَبَ الغسلُ أنزلُ أو لم يُنزِلْ» (٥). ولأنهُ وُجِدَ الجماعُ صورةً ومعنىِ، وهو إدخالُ الفرجِ في الفرجِ، واقتضاءُ الشهوةِ إِلاَّ أنهُ عدمُ الشبعِ، وذلك ليس بشرطٍ كَمَنَ أَكَلَ لقُمةً تجب الكفارةُ، ولم يوُجدْ الشبعُ، كذا في مبسوط شيخِ الإسلام (٦)، وهذا لأنَّ قضاءَ الشهوةِ يتحققُ دونَهُ، أي: دُونَ الإنزالِ، وهذا لجوابِ سؤالِ ذَكَرهُ في «المَبْسُوط» (٧) فقالَ: فإنْ قُلتَ: تمامُ الجنابةِ شَرْطٌ لإيجابِ الكفارةِ، وذلك في اقتضاءِ الشهوةِ، وذلك لا يحصلُ بدونِ الإنزالِ. قلنا: اقتضاءَ شهوةِ المحلِّ تتمُ بالإيلاجِ، فأمّا الإنزالُ فمتبعٌ لا يُعتبُر بهِ في تكميل الجنابةِ، ولو جامَعَها في الموضعِ المكروهِ فعليهما الغسلُ لاستطلاقِ وكاءِ المني بفعلهِ، ولَاشكَّ في إيجابِ الكفارةِ على قولهِمَا، وعن أبيِ حنيفةَ فيه روايتان (٨): رَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ ﵀: أنهُ لا كفارةَ عليهما، وهو ظاهرٌ على أصلهِ فإنُه لا يجعلُ هذا الفعلَ كاملًا في إيجابِ العقوبةِ التي تندرأُ بالُشبهاتِ كالحدِّ، وفي جانبِ المفعولِ بهِ ظاهرٌ فليسَ لها فيهِ اقتضاءُ الشهوةِ، ورَوَى أبو يوسفَ عن أبيِ حنيفةَ أنَّ عليهما الكفارةَ، وهو الأصحُّ فإنَّ السببَ قديمٌ، وهو الفِطْرُ بجنبهِ مُتكامِلٌ إنما يدَّعِي أبو حنيفةَ ﵀ النقصانَ في معنى الزِنّا مِن حيثُ إنهُ لا يحصلُ به إفسادُ الفِراشِ، ولا مُعتبرَ بهِ في إيجابِ الكفارةِ فلا كفارةَ أنزلَ أو لم يُنزِلْ فإنْ أنزلَ فعليهِ القضاءُ؛ لأنهُ فاتَ صورةَ الكفِّ فصارَ كالجماعِ فيما دُونَ الفرجِ (٩). كذا في «الإيضاحِ» (١٠) خلِافًا للشافعي ﵀ (١١) فإنَّ السببَ للكفارةِ عندَهُ الجِماعُ المعدِمُ للصورةِ، وقَدْ وُجِدَ، ولكنْ نقولُ: الجنابةُ لا تتكاملُ إِلاَّ باقتضاءِ شهوةِ المحلِّ، وهذا المحلُّ غيرُ مشتهى عندَ العقلاءِ، فإنْ حصلَ بهِ قضاءُ الشهوةِ فذلكَ لغلبةِ الشهوةِ، أو لِفْرطِ السفَهِ، وهو كمَنْ يتكلَّفُ لقِضاءِ شهوتِهِ (بيدهِ) (١٢) لا تتمُ جنابتُهُ في إيجابِ الكفارةِ فهذا مثلُهُ، كذا في «المَبْسُوط» (١٣).